Stay informed
Unpublished Opinions
أين يذهب المختفون قسريًا؟
This article is also available in English.
.entry-title, .hm-header-content > p { text-align: right; } .aside_wp_caption_text { direction: rtl; } .entry-content > iframe:first-child { display: none !important; } (تحذير: يتضمن هذا التحقيق تفاصيل عن اعتداءات وانتهاكات حقوقية قد تكون مزعجة لبعض القراء).منذ فترة قريبة، تواصل معي أحد الزملاء الصحفيين المصريين المقيمين في المنفى بأوروبا، يبلغني أن الأمن المصري استهدف شقيقه وأخفاه قسريًا، لكنه لا يرغب في النشر عنه، بناءً على نصيحة محاميه الذي يحاول التوسط مع أجهزة الأمن للإفراج عنه. نصحته بالنشر فورًا، حتى لو جاءت النتيجة عكسية بتعنت أمني وتلفيق قضية لأخيه وإرساله للمعتقل. وجوده في السجن أفضل من استمرار إخفائه.
لم تكن نصيحتي له بناءً على قراءة وتحليل للشأن المصري فقط، بل أيضًا بناء على تجربتي الشخصية في الاختفاء القسري. عندما اختطفني الأمن المصري من الشارع في فبراير ٢٠١٨، بسبب عملي الصحفي بعدما تجسس على هاتفي، اختفيت قسريًا لأكثر من أسبوعين. كل ما دار في ذهني حينها، أن تعرف أسرتي مكاني. لا تهم المحصلة، المهم أن أخرج من زنزانتي تحت الأرض.
.entry-title, .hm-header-content > p { text-align: right; } .aside_wp_caption_text { direction: rtl; } .entry-content > iframe:first-child { display: none !important; } لا شيء أخطر من الاختفاء القسري. فكّر في الكلمة لوهلة؛ اختفاء. تخيل أن تستيقظ من النوم، فتجد أحد أقاربك قد اختفى بلا أي أثر أو أنت نفسك اختفيت! كل الاحتمالات ممكنة بداية من الإهانة اللفظية إلى التعذيب حتى الموت. والأخطر أنه في كثير من الأحوال، المسؤول عن الإخفاء هي الجهة المسؤولة عن الحماية.
لم توقع مصر على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، التي أقرتها الأمم المتحدة ودخلت حيز التنفيذ في عام ٢٠١٠. تعرّف الاتفاقية في مادتها الثانية “الاختفاء القسري” بأنه، أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية تتورط فيه الدولة أو مجموعات مدعومة منها، ويعقبه إنكار أي معلومات عن الشخص أو مكان وجوده، مما يجرده من كل حقوقه القانونية.
يعتبر الاختفاء القسري ظاهرة عالمية غير مقتصرة على مصر. تزداد تلك الممارسة من أجهزة الأمن بشكل ممنهج لأسباب القمع السياسي واستهداف المعارضين والنشطاء والصحفيين، في الدول الدكتاتورية مثل مصر وإيران. أو في الدول التي تشهد نزاعات وصراعات مسلحة، كسوريا والسودان واليمن وليبيا وروسيا وأوكرانيا. وتتورط فيها عصابات الجريمة المنظمة في أمريكا اللاتينية والمكسيك. ففي الفترة بين عامي ١٩٦٢ و٢٠٢٣، سُجّلت ١١٤٠٠٤ حالة اختفاء في جميع أنحاء العالم، حسب العفو الدولية. وسجلت المكسيك وحدها، في عام ٢٠٢٣، أكثر من ١٢ ألف حالة اختفاء.
على الرغم من انتشار ظاهرة الاختفاء القسري على نطاق واسع، في مصر، إلا إنه نادرًا ما يتم الحديث عنها علانية. تميل الكثير من أسر المختفين قسريًا إلى الصمت والخنوع للنظام في محاولة لإنقاذ ذويهم. لكن الخنوع لا يمنع الجريمة، بل يفتح الباب أمام جرائم أخرى. إن تأجيل الإعلان عن اختفاء شخص ما، قد يشجع المتورطين على التمادي في الانتهاكات، لأنهم في هذه الحالة، يضمنون الإفلات من العقاب لأن هوياتهم غير معلنة. بعكس وجود الشخص في سجن أو مقر احتجاز رسمي، فقد يخشى بعض الضباط على سمعتهم أو التورط في تعذيب أو عمليات قتل خارج إطار القانون.
اختفى الباحث الاقتصادي المصري أيمن هدهود في الأسبوع الأول من فبراير ٢٠٢٢، وأبقت أسرته خبر اختفائه سرًا، على أمل الإفراج عنه بعد توسط رئيس حزب الإصلاح والتنمية، محمد أنور السادات. توفى هدهود يوم ٥ مارس من العام نفسه، ولم تُبلغ السلطات أسرته إلا في ٩ أبريل، بعد أكثر من شهر على وفاته. صرح شقيقه عمر هدهود، أن جثة أخيه حملت كسورًا في الجمجمة.
لا توجد أعداد رسمية للمختفين قسريًا في مصر، فقط مجرد تقديرات حسب بعض المجموعات الحقوقية التي تعمل في ظروف أمنية خطرة. تقول سارة محمد، منسقة حملة “أوقفوا الاختفاء القسري”، أنهم تمكنوا من توثيق ما لا يقل عن ٥٠٠٠ حالة اختفاء في مصر منذ عام ٢٠١٣، رغم أن هذا الرقم لا يعكس الواقع، حيث إن أعداد المختفين أكبر من هذا الرقم بأضعاف مضاعفة.
حسب الأمم المتحدة، فهناك ٣٠٠ حالة اختفاء قسري وُثّقت في مصر خلال عام ٢٠٢٣ فقط. وأعربت ١٣٧ دولة خلال المراجعة الدورية الشاملة الرابعة لمصر في الأمم المتحدة ٢٠٢٥، عن القلق إزاء التدهور في وضع حقوق الإنسان وأوصت بإنشاء هيئة مستقلة للتحقيق في حالات الاختفاء، والتصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.
وفي ظل غياب الإحصاءات الرسمية، ترسم لنا القصص الفردية للضحايا صورًا فاضحة ومروّعة، حيث يُقتاد الضحايا إلى مقار سرية، يلقون بها أشكالًا عديدة من التعذيب النفسي والجسدي، بداية من الإساءة اللفظية، مرورًا باللكم والركل والضرب والصعق بالكهرباء والإيهام بالغرق والحرمان من النوم والتلاعب النفسي.
عادة، ما يُكبّل الضحايا بالأصفاد، أو يقيدون بالجدران، وتُعصب أعينهم بأقمشة قذرة، ويحرمون من الطعام الكافي، ويمنعون من الاستحمام والنظافة الشخصية أو استخدام دورات المياه إلا بالإذن المسبق. تختلف توابع التعذيب على أجساد الأفراد، حسب طول فترة الاختفاء، ودرجة التعذيب، وظروف الاحتجاز العامة، والقدرات الفردية المتفاوتة على التحمل. قد تؤدي هذه الظروف إلى أمراض جلدية أو إعاقات جسدية مزمنة أو فقدان للذاكرة أو أمراض عقلية أو ما هو أسوأ؛ الموت تحت التعذيب، وكل تلك الجرائم موثّقة جيدًا.
تعاظمت ظاهرة الاختفاء القسري في مصر منذ الانقلاب العسكري الدموي في يوليو ٢٠١٣، الذي قاده الرئيس الحالي، ووزير الدفاع في حينها، عبد الفتاح السيسي، إلا أن الظاهرة نفسها غير مستحدثة. تحت حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، الذي أطاحت به ثورة شعبية في يناير ٢٠١١، بعدما حكم مصر لمدة ٣٠ عامًا، تحضر حالة الصحفي رضا هلال، المختفي قسريًا منذ عام ٢٠٠٣ كأبرز تلك الحالات. وبعد ثورة ٢٠١١، صرح الصحفي محمد الباز، المقرب من نظام مبارك حينها، والداعم لنظام السيسي في الوقت الحالي، أن رضا هلال قُتل وأُذيبت جثته في جير حي.
أثار الباز مؤخرًا جدلًا شعبيًا، ومطالبة بمزيد من الشفافية من الحكومة المصرية حول قضية المختفين قسريًا، بعدما صرّح في يناير الماضي، أن لديه معلومات من مصدر موثوق حول عضو البرلمان السابق، مصطفى النجار -أحد أبرز الشخصيات السياسية في ثورة يناير ٢٠١١- الذي اختفي في سبتمبر ٢٠١٨. ادّعى الباز مقتل النجار على يد مهربين على الحدود بين مصر والسودان.
تعتبر قضية النجار من الحالات التي تشوبها روايات متضاربة ونظريات مؤامرة، في ظل غياب الشفافية الرسمية، حيث نفت الحكومة أي تورط لها في تلك القضية، بل اتهمت النجار في بعض الأحيان، بالاختباء لتجنب تنفيذ الحكم القضائي الصادر ضده. رفضت عائلة النجار هذه الادعاءات، وطالبت بإجراء تحقيق رسمي في اختفائه، كما حصلت العائلة في يناير ٢٠٢٠، على حكم قضائي يُلزم وزارة الداخلية المصرية بإبلاغ زوجة النجار بمكان وجوده.
تحت حكم النظام المصري الحالي، حتى الأطفال غير آمنين. وثّقت منظمة بلادي، المعنية بالدفاع عن الأطفال والنساء المعتقلين، اختفاء الطفل عبد الله بومدين، البالغ من العمر ١٢ عامًا وقت القبض عليه، في ديسمبر ٢٠١٧. قال أحد محامين المنظمة (طلب عدم الكشف عن هويته)، إن بومدين اختفى قسريًا لمدة ستة أشهر، تعرض خلالهم للتعذيب.
وأضاف المحامي، أن والد بومدين وشقيقه الأكبر قُتلا في اشتباكات مسلحة مع الجيش المصري وقوات مكافحة الإرهاب في شمال سيناء، بعد انضمامها إلى جماعات جهادية متطرفة.
بعد ظهور الطفل بومدين أمام النيابة، حُبس انفراديًا ومُنع من الزيارة على ذمة القضية، حتى صدور قرار إخلاء سبيله في ديسمبر ٢٠١٨. استمرت إجراءات إخلاء السبيل حتى منتصف يناير ٢٠١٩، عندما اتصل قسم شرطة العريش بشقيقته لاستلامه. وقعت شقيقته أوراقًا تؤكد استلامها لأخيها، وقبل الخروج من قسم الشرطة، قُبض عليه واختفى مجددًا، ولم ترد عنه أي معلومات منذ ذلك الحين.
من بين أبرز الحالات التي نالت اهتمامًا دوليًا، اختفاء الباحث الإيطالي چوليو ريچيني، الذي اُختطف من القاهرة في ٢٥ يناير ٢٠١٦، ووُجد مقتولًا بعدها بتسعة أيام، وعلى جسده آثار تعذيب. يُرجح بقوة أن السلطات المصرية متورطة في خطف وتعذيب ريچيني حتى الموت، بسبب الشك في نشاطه السياسي. أنكرت السلطات المصرية أن تكون مضطلعة بالأمر، وقامت بتصفية خمسة مصريين بادعاءات أنهم على علاقة بمقتل ريچيني، وهو الأمر الذي ثبت زيفه لاحقًا، بعدما أمر الادعاء الإيطالي بمحاكمة أربعة ضباط مصريين متورطين في تعذيب وقتل ريچيني.
تحدثت والدته باولا ريچيني أمام البرلمان الإيطالي قائلة: “وجدت شرور العالم كله على وجه چوليو… عذَّبوه وقتلوه كما لو كان مصريًّا”.
طالما شغل تفكيري سؤال، هل يعود الإنسان من الموت؟ ليس الموت البيولوجي، إنما الموت الاعتباري والقانوني نتاج الفقد المطوّل. تقول المحامية الحقوقية المصرية ماهينور المصري ، إنه “يُحكم بموت المفقود الذي يغلب عليه الهلاك بعد أربع سنوات من تاريخ فقده”.
يقول المحامي الحقوقي (م.ع) إنه بداية من يناير ٢٠٢٣، ظهر عشرات الأفراد في نيابة أمن الدولة من المختفين قسريًا منذ أربع وخمس سنوات، حتى فقد أهلهم الأمل في ظهورهم. يذكر م.ع أنه كان يتواصل مع أهالي بعض المختفين لإبلاغهم بظهور ذويهم أمام النيابة، فكانوا يكذبونه، لأنهم على مدار تلك السنوات، تعرضوا مرات عديدة لاستغلال ونصب من أشخاص يدّعون معرفة معلومات عن مكان ذويهم.
خلال العامين التاليين لثورة ٢٠١١، ظهر بعض الأشخاص الذين اختفوا قسريًا تحت حكم مبارك. وفي يونيو ٢٠٢٥، ظهر ٤٧ شخصًا من المختفين قسريًا منذ خمس سنوات، من بينهم سيدات، ما أعاد الأمل مجددًا لأهالي مختفين قسريًا في مصر. لا توجد أي أسباب معلنة أو تكهنات واضحة عن أسباب ظهور هؤلاء المختفين أو غيرهم أو توقيت ظهورهم. أحيانًا يخضع الأمر تمامًا للصدفة والحظ، أو ربما بعض الأشخاص تم “نسيانهم” في مقار الاختفاء، ثم قرر الضابط المسؤول إرسالهم إلى نيابة أمن الدولة العليا للتحقيق معهم في قضايا ملفقة بعد سنوات من الاختفاء.
ارتفعت آمال آلاف الأسر من عائلات المختفين قسريًا في المنطقة بعد سقوط نظام الأسد في سوريا ديسمبر ٢٠٢٤. أطلقت جماعات المعارضة سراح ما يزيد عن ٢٤ ألف مختفيًا في مرافق الاحتجاز والسجون التابعة لحكومة الأسد. يشكلون عددًا صغيرًا من إجمالي المفقودين والمختفين في هذه المرافق، حيث وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن ١٨١ ألف مختفيًا قسريًا في سوريا.
فُتح سجن صيدنايا وتحرر السجناء والمختفين قسريًا، وانكشفت شهادات الخطف والتعذيب والقتل، وظهر أفراد اُعتقلوا لعشرات السنين دون أن يسمع أهلهم عنهم خبرًا. اللبناني سهيل حموي، خطفته المخابرات السورية من لبنان منذ ٣٢ عامًا وأُودع في سجون الأسد، ولم يظهر إلا ديسمبر ٢٠٢٤. ضحية أُخرى، اُعتقل في فبراير ٢٠١٥، ولم تره أمه سوى بعد ما يقارب ١٠ سنوات، بعد خروجه من سجن صيدنايا في حالة تشتت وعدم اتزان عقلي.
اُعتقل السوري علي مصطفى الشهير بأبو صامد في يوليو ٢٠١٣، وهربت أسرته المكونة من زوجة وثلاث نساء إلى خارج سوريا. تقول ابنته غنى مصطفى المقيمة بكندا: “نظام الأسد يستخدم الأهل كوسيلة للتعذيب”.
بعد سقوط نظام الأسد، رجعن بنات أبو صامد إلى سوريا فورًا، يبحثن في أفرع الأمن عن أي دليل أو معلومة يستدلون بها على مكان أبيهم أو مصيره. بعد ١٢ عامًا من اختفاء أبو صامد، وجدن بناته دليلًا على وجوده. كتابات أبو صامد على حائط زنزانته تعود إلى عام ٢٠١٣: “صباح الخير يا غنى”… “والله بحبكم.. سامحوني.” ترد ابنته غنى: “بس هو ما بيعرف إنه نحن مش محتاجين نسامحه.. نحن فخورين فيه وباللي عمله”. تصف مصطفى، الاختفاء القسري كنوع من التعذيب البطيء المدروس للمعتقل ولجميع الدائرة المحيطة به، حيث “لا تملك حتى حق الحزن أو العزاء. إذا مات، فما من دليل أو قبر لزيارته”. تقول، “نبحث عنه منذ ١٢ عامًا، إذا كان في مكان لنبيع قلبنا كنا رح نبيعه، بس لحتى نحصل أي خبر”. ترفض غنى مصطفى فقدان الأمل قبل الوصول إلى والدها أو دليل عن مصيره: “أشعر بروحه وطاقته. أؤمن بوجوده. لن أعترف بما يقوله الناس!”
عندما تعرضتُ لتجربة الاختفاء القسري في فبراير ٢٠١٨، أُودعتُ مقيد اليدين ومعصوب العينين في مقر غير قانوني داخل أحد مراكز الأمن المركزي بمدينة السادس من أكتوبر ضمن نطاق القاهرة الكبرى. ضم المقر في ذلك الوقت ما بين ٦٠ إلى ٨٠ مختفٍ، حيث نُزعت عنّا أسماؤنا واستبدلوها بأرقام حسب أقدمية الشخص في المكان، فرقم ١ هو الشخص المختفي الأقدم في المقر. لأكثر من أسبوعين، صرت رقمًا، مجردًا من كل حقوقي، إنسانيتي، اسمي، ووجودي.
وضعوني في غرفة انفرادية بجوار أفراد الأمن حيث استرقت السمع إلى المكالمات الهاتفية بين أفراد الأمن والضباط، وكذلك راقبت أعداد المختفين الجدد، أو المحتجزين الذين يخرجون من المقر إلى حيث لا ندري، إما إلى منازلهم، أو إلى السجون، أو التصفية الجسدية خارج إطار القانون. كان متوسط الإيراد اليومي من المختفين، حوالي ١٠ أفراد.
ليس هذا المقر الوحيد للإخفاء القسري. تنقسم مصر إلى ٢٧ محافظة، وتضم كل محافظة مقرًا سريًا واحدًا على الأقل للإخفاء القسري، يشرف على تلك المقرات جهاز الأمن الوطني، المسؤول عن الأمن السياسي الداخلي في مصر، فضلًا عن مقرات أخرى تتبع أجهزة المخابرات العامة والمخابرات العسكرية، كلٌ في اختصاصه. إلى جانب أنه عمليًا جميع أقسام الشرطة تعتبر مراكز احتجاز غير قانونية متورطة في جرائم الاختفاء القسري، في ظل غياب رقابة النيابة العامة. هناك غرف بأقسام الشرطة تُسمّى “الثلاجة”، حيث يُخزن بها المختفين إلى أن يبت الضابط المسؤول في أمرهم، سواء بالإفراج عنهم أو تدويرهم على ذمة قضية جديدة، أو إبقاء الأمر كما هو عليه.
عندما ظهرت في النيابة، كنت كمن عاد من الموت. استعدت اسمي ووجودي، وقليل من إنسانيتي وحقوقي. ثم دخلت في شكل آخر من أشكال الموت أقل وطأة وعنف من الاختفاء القسري. أودعت في المعتقل السياسي، لمدة ثلاث سنوات ونصف. أذكر تلخيص مشاعري في أول تدوينة كتبتها على الفيسبوك بعد إخلاء سبيلي: “الآن.. الآن.. الآن.. أتنفس”.
اندلعت بعض الاحتجاجات المصرية في سبتمبر ٢٠١٩ اعتراضًا على حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، نتج عنها عنف أمني وإلقاء القبض على المئات من المتظاهرين والنشطاء، وقُدّرت أعداد المقبوض عليهم الذين حُقق معهم في النيابة بحوالي ٥٠٠ متهم في اليوم الأول فقط. ارتفعت أعداد المختفين قسريًا في تلك الفترة بمقر الأمن الوطني بمدينة السادس من أكتوبر إلى أكثر من ٢٠٠ شخص، حسب شهادات مختفين عاصروا تلك الفترة.
سجن صيدنايا في سوريا (Mohammad Bash/Alamy) .entry-title, .hm-header-content > p { text-align: right; } .aside_wp_caption_text { direction: rtl; } .entry-content > iframe:first-child { display: none !important; }حاولت الوصول إلى هذا المقر مؤخرًا عبر البحث على خرائط جوجل، دفعني فضول مفاجئ لمعرفة كيف يبدو من الخارج. تحديد المقر جغرافيًا، لم يكن أمرًا هينًا، فمثل تلك المقار غير موجودة قانونيًا وليس لها مسميات. قضيت بضع ساعات من البحث والتذكر لمحاولة تحديد الموقع.
كنت أعرف، على سبيل المثال، أنه جزءًا من مركز تدريب لقوات الأمن المركزي في مدينة السادس من أكتوبر، وتذكرت لاحقًا قربه من أحد مخارج الطريق الدائري الصحراوي. بناء على تلك المعلومات، تتبعت الخريطة، وفحصت كل المناطق القريبة من مخارج الدائري الصحراوي حتى حددت الموقع بنجاح. كانت الصدمة عندما وجدت أنه معماريًا من الفضاء يشبه تمامًا نسخة مصغّرة من سجن صيدنايا في سوريا!
تساءلت عن أسباب التشابه في الهندسة المعمارية بين سجن صيدنايا في سوريا ومقر الأمن الوطني في مصر. هل يوجد أهداف أمنية ما من وراء ذلك التصميم؟ هل يوجد تنسيق أمني، بشكل ما، بين النظامين؟ هل هناك سجون أخرى في العالم تتبع ذلك النمط؟ لا أدري. بدأت في البحث عن بعض السجون المصرية ومحاولة الوصول لصور من الفضاء لبعض مقار الاختفاء القسري الأخرى في مصر، لكني فشلت في إيجاد نمط متكرر لذلك المعمار.
منشأة تابعة لجهاز الأمن الوطني في القاهرة الكبرى (جهاز أمن الدولة سابقًا) (Google Maps) .entry-title, .hm-header-content > p { text-align: right; } .aside_wp_caption_text { direction: rtl; } .entry-content > iframe:first-child { display: none !important; } أوقد التشابه تساؤلات في عقلي حول تشابه القمع بين الدول حتى في العمران، والغريب أنه أثناء مشاهدتي للفيديوهات التي وثقت خروج المعتقلين من سجن صيدنايا في سوريا، وسجلت شكله من الداخل، شعرت كأنني أعرف هذا المكان. شكل الغرف من الداخل، ألوان الجدران، ظلمة السجن، ضيق الممرات، كتابات الحائط، قذارة المكان. أزعم أنني شممت رائحة المكان من الشاشة.قُبض على الباحث العمراني المصري إبراهيم عز الدين في يونيو ٢٠١٩، وتعرض لاختفاء قسري لمدة ١٦٧ يومًا، أُجبر خلالهم على الإدلاء باعترافات كاذبة تحت وطأة التهديد والتعذيب، واستجوب عن عمله مع المفوضية المصرية للحقوق والحريات. بعد ظهوره أمام النيابة، قضى عز الدين عامين ونصف قيد الحبس الاحتياطي.
جَهِدَ عز الدين في حساب الأيام، ومع مرور الوقت فقد العد، لم يعد يعلم التواريخ أو الأيام أو مدة اختفائه، وتحوّل من العد بالأيام إلى الأسابيع إلى الشهور. علم أخيرًا بخروجه من مقر الاختفاء القسري إلى النيابة عندما سُمح له بالحلاقة والاستحمام وتبديل الملابس بأخرى نظيفة. يقول عز الدين: “كانت حالة مربكة بين الفرح للخروج من هذا المكان، والحزن على أشخاص آخرين لا أعلم مصيرهم وكم من الأشهر أو السنين سوف يبقوا مختفين”. يؤكد عز الدين الذي يعيش في فرنسا حاليًا، أن تأثير فترة الاختفاء القسري مدمّر نفسيًا، ومستمر معه حتى اليوم، “في حد في يوم من الأيام قرر إن أنت مش موجود على الدنيا”.
غالبًا ما تسبب تجربة الاختفاء القسري ندوبًا نفسية لا تُمحى للضحايا، لعل أبرزها اضطراب كرب ما بعد الصدمة. تخصص مركز النديم في مصر لمناهضة العنف والتعذيب وتأهيل الضحايا، لكنه أيضًا لم يسلم من الاستهداف الأمني المباشر والمداهمات الأمنية ثم أوامر الإغلاق. (في فبراير الماضي، استدعت نيابة أمن الدولة العليا، عايدة سيف الدولة، إحدى مؤسسات مركز النديم، واستجوبت لمدة ثلاث ساعات بشأن نشر تقرير حول التعذيب في مراكز الاحتجاز).
تقول الطبيبة النفسية بمركز النديم، منى حامد إمام ، إن الاضطرابات النفسية التي يتعرض لها الأشخاص الذين مروا بتلك التجربة أعقد من وصفها بتشخيصات طبية أو مصطلحات علمية جاهزة لا توصف الحالة بدقة، فمثلًا قد يعاني شخص ما من الأرق، لكنه أرق مرتبط بساعات الليل التي اُختطف خلالها، لكنه يستطيع النوم في ساعات النهار إن شعر بالأمان، ولذلك فإن توصيف الأرق في تلك الحالة هو توصيف قاصر.
كما ترى إمام أنه ما بين مصطلحات التجاوز والتعافي والتعايش، قد يكون التعايش هو المصطلح الأدق، فهناك جرح سيترك أثرًا، وعلى الإنسان أن يتعلم التعايش معه. فالندوب لن تختفي والتجارب لن تُنسى. كما تشير إمام إلى تفاوت درجة التعايش من شخص لآخر، فالتجربة فردانية بدرجة كبيرة وتعتمد على عوامل عديدة متداخلة. تعتقد إمام أن أدوار العائلة والأصدقاء أكبر من الدعم والمساندة، إنما محاولة الفهم والاستيعاب والسير بجوار الشخص خطوة بخطوة في طريق التعافي والنجاة.
لكن في كثير من الأحوال، لا يُمنح الضحايا حتى حق التعافي من التجربة، لأنهم لم يظهروا من الأساس. وجدت نورهان حسن -المحامية الحقوقية بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات- نفسها تبحث عن شقيقيها المختفين في نفس الوقت. اختفى الشاب أحمد حسن في أبريل ٢٠١٩، (١٨ عامًا في ذلك الوقت)، وتبعه شقيقه محمد حسن في سبتمبر من العام نفسه.
ظهر محمد أمام النيابة بعد ثلاثة أشهر، بينما ظل أحمد مختفيًا حتى اليوم مستكملًا سبع سنوات من المجهول. كمحامية تدرك حقوقها القانونية، حاولت نورهان حسن التقدم ببلاغ لاختفاء أخيها، لكن الداخلية وافقت فقط على بلاغ “غياب” وليس اختفاء.
انقطعت الأخبار التي كانت تصلها عن شقيقها عبر مصادر غير رسمية في الأشهر الأولى حتى وصلها اتصال هاتفي في يوليو ٢٠٢٤، من زوجة شخص يزعم أنه سُجن مع أحمد وأبلغوها بمكان وجوده، ووضحوا لها بعض التفاصيل الشخصية المتعلقة بأخيها كي تتأكد من صحة كلامهم. بعد ذلك، وصلتهم مكالمات بمثابة تهديدات لها ولوالدتها، كأن يتواصل معهم شخص مجهول كي يبلغهم ألا يتحدثوا علانية أو ينشروا عن أحمد وإلا قد يُقبض عليهم.
تحكي نورهان عن نوع آخر من الألم، عندما رأت والدتها ترفض الطعام الساخن، وترفض النوم فوق السرير وتفضل النوم على أرضية المطبخ حتى في ليالي الشتاء كي تشارك ابنها نفس المصير. كما توصف لحظات أخرى من الرعب عندما ذهبت إلى المشرحة لكي تتعرف على إحدى الجثث لعلها جثة أخيها.
تتذكر نورهان لحظة سقوط نظام الأسد وفتح سجن صيدنايا. اتصلت بها صديقتها السورية لتخبرها أن سجن صيدنايا فُتح وهذا يعني معرفة مصير عمها المختفي قسريًا قبل أحمد بعامين، وهذا يعني وجود أمل لمعرفة مصير أحمد في يوم ما. بكت نورهان وبكت صديقتها السورية من فرط الأمل، لكنه ذاب سريعًا وتحول إلى يأس من جديد عندما لم تصل صديقتها السورية إلى أي معلومة عن عمها، وظل آلاف الأشخاص مجهولي المصير في سوريا حتى بعد سقوط النظام. تعبر نورهان عن مشاعرها في تلك اللحظة بالرعب من استمرار البحث لسنين دون الوصول لنتيجة، دون جدوى.
رغم ذلك، ترفض نورهان رفضًا قطعيًا فقدان الأمل، وتقول صراحة: “طول ماعنديش جثة، فهو عايش”. تشعر نورهان برابط حسي بينها وبين أخيها “أنا عارفة إن هو عايش، وعارفة إن هو موجود، ولما بيمرض أوقات بحس إنه مريض”. كما تواظب على تسجيل رسائل صوتية لأخيها تحكي له عن الأحداث المهمة واليوميات كي يتسنى له سماعها عندما يعود.
The post أين يذهب المختفون قسريًا؟ first appeared on The Walrus.




Comments
Be the first to comment